gif

في الميدان - فيديو

تحقيق (تأكد) عن فيديو "الجثامين المتكدسة" ومزاعم "مشفى حاميش العسكري"

  الأحد 06 كانون أول 2020

  • 5346
  • 12-06

ليس لديك وقت؟

انتشر على مواقع التواصل تسجيل مصوّر يظهر جثامين بشرية عارية مكدسة في ممر وضمن غرفة بدت أنها في مشفى أو مشرحة، وادعى ناشطون سوريون أن هذا التسجيل يصوّر جثامين معتقلين سوريين خلال تعرضها لسرقة الأعضاء البشرية من أطباء روس في مشفى حاميش العسكري بدمشق، إلا أن هذا الادعاء لا يستند إلى أي دليل ملموس، والفيديو جرى تصويره على الأرجح في منطقة يتحدث سكانها اللغة الروسية، المزيد من التفاصيل في التحقيق.

تنبيه: تحتوي الروابط المدرجة ضمن التحقيق على مشاهد قد تكون قاسية وصادمة بالنسبة لبعض المتابعين


الادعاءات

تداول سوريون على مواقع وتطبيقات التواصل (فيسبوك، تويتر، وتس آب) تسجيلاً مصوراً يتضمن مشاهد قاسية، ويظهر فيه أشخاص يرتدون زياً واقياً تستخدمه عادةً الكوادر الطبية في المستشفيات، ويصوّر الفيديو عشرات الجثامين العارية مكدسةً بجانب و فوق بعضها البعض في ممر، وضمن غرفة غطت أرضها الدماء، في مكان بدا أنه مستشفى أو مشرحة، وظهر في التسجيل أن العديد من الجثامين تعرّضت للتشريح أو الجراحة القاسية، وتُسمع خلال التسجيل أصوات تتحدث باللغة الروسية.

ورافق التسجيل ادعاءات زعمت أنه "يصوّر جثامين ضحايا معتقلين سوريين، أطفال ونساء ورجال، تم انتزاع أعضائهم البشرية من قبل أطباء روس" وأن الفيديو "جرى تسجيله في مستشفى حاميش العسكري بدمشق،  تمهيداً لاستخراج شهادات وفاة كاذبة".

ونشر الناشط السياسي السوري المعارض لنظام الأسد وائل خالدي عبر حسابه في (تويتر) تغريدة بتاريخ 2 تشرين الثاني/ديسمبر من العام الجاري، تناول فيها التسجيل ذاته، مرفقاً إياه بصورة ملتقطة من الفيديو، وذكر في التغريدة: "بعد أن تأكدت من صحة الفيديو وموقع التصوير مستشفى حاميش العسكري سأقوم بنشره ويقوم الأطباء الروس في هذا الفيديو بتخييط الجثامين لأطفال ونساء ورجال، تمهيداً لاستخراج  شهادات وفاة  كاذبة".

وتكرر الترويج لهذه الادعاءات في موقع ستيب نيوز الإخباري، وعلى العديد من الصفحات والحسابات الشخصية في مواقع التواصل، كما تناقل تلك الادعاءات سوريون على تطبيق المراسلة (وتس آب).

التحقق من أصل التسجيل ومصدره

استخدمت (تأكد) أداة (InVid) للتحقق من الفيديو عبر اقتطاع عدة صور منه، والبحث عنها عكسياً بشكل منفرد، من خلال محركات البحث العكسي عن الصور، وقاد البحث عن اللقطة التي تظهر شخصاً يرتدي زياً واقياً من الأوبئة المعدية، منحنياً بين الجثامين المتناثرة، إلى موقع (tolknews.ru) الروسي، الذي نشر الصورة ضمن تقرير تحدث فيه عن الفيديو ذاته الذي أرفق بالادعاءات.

ونشر الموقع الروسي المتخصص بأخبار إقليم (ألتاي) الروسي تقريراً بتاريخ 2 تشرين الثاني/نوفمبر من العام  الجاري 2020  تناول فيه التسجيل المصوّر، وذكر التقرير أن سكان إقليم (ألتاي) تداولوا التسجيل عبر تطبيق المراسلة (وتس آب)، مع مزاعم بأنه صوّر في مشرحة بارناول في الإقليم، دون وجود تأكيد لهذه المزاعم حسب ما نقل الموقع.

وأفاد التقرير بوجود مزاعم تدّعي أن التسجيل صوّر في مستشفى (كوموناركا) في العاصمة الروسية موسكو، مشيراً في النهاية إلى عدم وجود أي تأكيد على مكان وزمان تسجيل الفيديو.

ومع متابعة البحث باستخدام الكلمات المفتاحية المتعلقة باللغة الروسية مثل (مشرحة/Морг، بارناول/Барнаул)، توصلنا إلى منشور على موقع التواصل الروسي (ok) بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري، في حساب يحمل اسم (حوادث بارناول/Инцидент Барнаул)، وذكر الحساب في منشوره أن التسجيل يجري تداوله على أنه في مشرحة، دون تحديد مكانها، نافياً وجود أي معلومات حول مكان تصوير الفيديو.

وأظهرت نتائج البحث المعمق الذي أجرته (تأكد) أن حساب (حوادث بارناول/Инцидент Барнаул) هو أول من نشر هذا التسجيل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حسابات أخرى ربما نشرت التسجيل ثم حذفته، دون معرفة توقيت وتاريخ النشر أو الحذف.

انتشر الفيديو في روسيا قبل سوريا، مسبباً جدلاً في الإعلام وردود فعل من جهات رسمية

لم يتوقف تداول التسجيل المصوّر في روسيا على موقع واحد أو منطقة واحدة، بل أُعيد نشره لاحقاً كما أظهرت نتائج البحث باستخدام الصور المتعلقة والكلمات المفتاحية.

وجرى تداول التسجيل على أنه يصوّر جثامين ضحايا توفوا نتيجة إصابتهم بفيروس (كورونا) في مشرحة ضمن مستشفى بمدينة (نوفوسيبيرسك)، ونشر موقع (كومسومولسكي برافدا) الروسي تقريراً بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري، ذكر فيه أن ناشطاً اجتماعياً يدعى (روستيسلاف أنتونوف) نشر التسجيل، ما دفع وزير الصحة في منطقة (نوفوسيبيرسك) إلى نفي أن يكون هذا التسجيل قد صوّر في إحدى منشآت المنطقة الطبية.

وذكر الموقع ذاته أن وزير الصحة في (نوفوسيبيرسك) أقرّ بوجود ازدحام في المشرحة الخاصة بمستشفى المدينة، مضيفاً أنه على مدير المستشفى التعامل مع مشكلة نقص الأماكن في المشرحة، وهو ما ذكرته مواقع روسية أخرى يمكن الاطلاع على بعضها هــــنا و هــــنا.

وفي محاولة للوصول إلى أصل التسجيل، حاولت (تأكد) التواصل مع الناشط  (روستيسلاف أنتونوف) الذي نُسب إليه نشر الفيديو، إلا أنه لم يستجب لرسائلنا على حسابه في موقع (Vk) الروسي.

لم يتوقف انتشار التسجيل عند هذه النقطة فحسب، بل أعيد نشره أيضاً مرة على أنه يصوّر مشرحة مدينة (أوفا) عاصمة إقليم (بشكيريا) الروسي، ما دفع أيضاً وزير الصحة في الإقليم إلى التصريح في 4 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري بأن التسجيل مزيّف، حسب ما نقل موقع (بوادزييتسكي) المتخصص بنقل الأخبار من إقليم (بشكيريا) الروسي، وكذلك مواقع أخرى يمكن الاطلاع على بعضها هــــنا و هــــنا.

وأشارت مواقع روسية إلى أن السلطات المختصة تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي نشر التسجيل مدعياً أنه صوّر في مشرحة مدينة (أوفا)، وذكرت أن اسمه (سلافان روسلان) وأنه يدير عدة قنوات على موقع (يوتيوب) ومجموعة على موقع (Vk) الروسي، لافتةً إلى أن السلطات تنظر في رفع دعوى قضائية ضد الناشر.

وتوصلت (تأكد) إلى حساب (روسلان أكشولبانوف) على موقع (Vk) الروسي، وشارك (روسلان) على صفحته منشوراً من مجموعة (أكسولبان) التي يديرها، تضمن اعتذاراً من المجموعة على "نشر الفيديو والادعاء بأنه صوّر في مشرحة مدينة (أوفا)"، وإشارة إلى أن تاريخ ومكان تصوير الفيديو غير معروف، ووعد للمتابعين بتوخي الدقة قبل النشر.

وإضافة إلى ذلك، نشرت مغردة على (تويتر) تحمل اسم (خاتول مومند) تغريدة بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر، تضمنت صوراً من التسجيل ذاته، مدعيةً أن صديقاً أرسل لها هذا التسجيل من مستشفى في إيران.

التحقق من رواية رواية (مستشفى حاميش العسكري)؟

تواصلت (تأكد) مع الناشط السوري المعارض وائل الخالدي، وسألته عن أدلة يمكن أن تدعم روايته بأن الفيديو سُجل في مستشفى حاميش بدمشق، فأجاب الخالدي: "في الوقت الحالي أمتلك فقط تأكيد الشخص الذي أرسل لي الفيديو، وهو ذو منصب أمني رفيع بدمشق".

وفي الوقت نفسه، تواصلت (تأكد) مع مصاب فقد أحد أطرافه وتلقى علاجاً فيزيائياً في مستشفى حاميش بدمشق قبل نحو عامين، ومع مصدر آخر، هو شاب تلقى تدريباً على المعالجة الفيزيائية في المستشفى ذاته، وأكد المصدران أن مستشفى حاميش معروف بتخصصه فقط بتصنيع الأطراف الصناعية وتركيبها، إضافة إلى المعالجة الفيزيائية، ويقدم المستشفى خدماته للعسكريين والمدنيين الذين فقدوا أطرافهم نتيجة مرض أو إصابة.

كما نفت المصادر ملاحظة أي وجود لكوادر طبية روسية في المستشفى، مع الإشارة إلى أن تصميم الجدران في الفيديو مع الإطار المدني الذي يمتد على طول جدران الممر، لا يتطابق مع  شكل جدران أي  قسم في مستشفى حاميش.

يمكن الاطلاع على مشاهد من داخل مشفى حاميش في فيديو  نشرته عام 2018 شبكة أخبارية منحازة لنظام الأسد.

تحليل واستنتاج

بعد مراجعة دقيقة للفيديو، وللظروف التي رافقت انتشار التسجيل في روسيا وسوريا، توصلت (تأكد) إلى عدة قرائن وإشارات، ترجّح أن لا يكون التسجيل قد صور في سوريا، ولا تستبعد احتمال تصويره في روسيا أو في بلد ناطق باللغة الروسية.

 1 - انتشار التسجيل بين المواطنين الروس وفي الإعلام الروسي قبل شهر من نشره على أنه في سوريا.

2 - ترافق انتشار التسجيل مع حديث واسع في الإعلام الروسي عن أزمات تخزين وتكدس لجثامين ضحايا (كوفيد - ١٩)  في المشارح بعدة أقاليم روسية، يمكن الاطلاع هــــنا وهــــنا وهـــــنا.

3 - حصل فريق (تأكد) على ترجمة للعبارات التي سُمعت خلال التسجيل، مستعيناً بثلاثة مترجمين مستقلين يتقنون اللغة الروسية، وبحسب المترجمين، فإن صوتاً نسائياً خافتاً يقول في البداية: "عليّ الذهاب إلى هناك"، ثم يسأل رجل: "ماهي كنيته؟"، فتجيبه سيدة: "لا أعرف كنيته"، وبعد ذلك يقول صوت نسائي: "أروني بولتشكينا"، وبحسب أحد المترجمين، فإن (بولتشكينا) هي كنية تخص الإناث وهي موجودة في روسيا، ومن المرجح أن الاسم يعود لإحدى الضحايا في الفيديو.

5- يمكن ملاحظة وجود لوحات على أبواب الغرف بكتابة مبهمة بسبب انخفاض جودة التسجيل، إلا أن إحدى تلك اللوحات التي تظهر في الثانية 11 من التسجيل، يبدو مكتوباً عليها حرف (إل) بالروسية، في الصورة يساراً.

6 - لا توجد في التسجيل أية إشارة أو دليل قد يدعمان الرواية التي تزعم أنه صوّر في سوريا، وفي مستشفى حاميش العسكري تحديداً.

نظام الأسد وتجارة أعضاء المعتقلين

انتشرت خلال سنوات الحرب التي اندلعت بعد انطلاق الثورة السورية تقارير وتحقيقات، اتهمت نظام الأسد بضلوعه في تجارة الأعضاء البشرية، وذكر موقع المدن في تحقيق نشره عام 2018 أن مثل تلك العمليات كانت تجري انطلاقاً من مستشفيات عسكرية، ينقل إليها المعتقلون لدى النظام بعد تعرضهم للتعذيب الشديد حتى يشارفوا على الموت، وهناك تجرى لهم عمليات استئصال لأعضاء من أجسادهم، لتنقل إلى خارج سوريا عبر مافيات مرتبطة بنظام الأسد.